"محفظ قرآن" يروي قصة قرية مصرية وضعها "كتاب الله" على خريطة العالم (صور)
قرية لا ينقطع القرآن عنها، فبمجرد اقترابك من هذا المجمع الذي بناه أهلها من تبرعاتهم، تجد الأطفال يرددون آيات الله في نشاط لا ينقطع، فصوت 250 طالبا لا يخمد، وكلمات الله لا تنفد.
إنها "قرية الشعشاعي".. تلك القرية الصغيرة بمحافظة البحيرة في مصر، والتي أصحبت حديث الجميع بعد أن أصبحت أشهر قرية حصد أطفالها "من عمر 6 سنوات لـ 12 سنة" أكبر عدد من الجوائز العالمية والدولية والمحلية في حفظ القرآن الكريم، حسبما أكد محفظ القرية، الشيخ محمد عسكر لـ"البوابة"، وهو المسئول عن المجمع، الذي لم يكن سوى مصلى للسيدات لا تزيد مساحته عن 3 أو 4 أمتار.
لم يكن عسكر يدري وهو يقطع تلك الكيلو مترات تاركا قريته "الشعراوي"، التابعة لمركز حوشى عيسى بالبحيرة، قاصدا قرية الشعشاعي أنه سيصبح حديث الصحف بعد ما حققه في مجال تحفيظ القرآن الكريم.
الشيخ محمد عسكر، محفظ القرآن بقرية الشعشاعي بالبحيرة، سرد كيف بدأ مشواره القرآني، قائلا إنه بدأ تحفيظ القرآن منذ سنوات، منذ أن كانت القرية خالية من الكتاتيب، لكنه عثر على مصلى السيدات يبعد مسافة صغيرة عن مسجد القرية، فاتخذه "كُتّابا" لتحفيظ القرآن.
وأضاف الشيخ عسكر، الذي يحمل شهادة متوسطة (دبلوم صنايع): "كانت حالتي المادية بسيطة، ولم يستطع والدي معاونتي في إتمام تعليمي، وكنت أعمل بمجال الخطابة في المساجد النائية، وبعدها تفرغت للقرآن الكريم بعدما طلب مني تحفيظه".
وأوضح الشيخ صاحب الـ 35 عاما، بأن الفتيات أكثر تحصيلا للقرآن الكريم من الذكور، فالذكاء الرباني والتوفيق يلعبان دورا كبيرا في إتمام حفظ كتابه كاملا، فهناك فتيات يختمن المصحف كاملا في ثلاث سنوات، وهناك من هن أقل من ذلك، لافتا إلى المجمع يقبل الطلاب والمتقدمين من عمر 4 سنوات.
وأكد شيخ القرية أنه تم ترخيص مجمع تحفيظ القرآن من وزارة الأوقاف، بعد حصد العديد من الجوائز، فقد جاءت لجنة لمعاينة المجمع، وحصلنا على الترخيص بمنتهى السهولة دون مشقة أو عناء، مشددا على أن التحفيظ يتم بشكل مجاني، ولا توجد أي اشتراكات أو أموال يدفعها الأهالي، فأهل الخير يوفرون راتبا شهريا للمحفظ، لا يزيد عن 2000 جنيه مصري، مؤكدا رضاه بهذا المبلغ.
وقال عسكر إنه بدأ التحفيظ بـ20 طالبا وطالبة، وبعدها بـ 8 أشهر فكر في التقدم بهم للمسابقات، كل بما يحفظ، وفوجئ بأن طلابه حصدوا الجوائز الأولى في كل المسابقات التي تقدموا إليها، ومن هنا ذاع صيتنا، وبدأ الأهالي يقبلون علينا بشكل كبير، مؤكدا أنه لا توجد علاقة باسم القرية وعمدة القرآن الكريم (الشيخ الشعشاعي)، بل هو تشابه أسماء فقط.
وكشف الشيخ أن له طريقة مبتكرة في تحفيظ القرآن الكريم، لذلك استطاع أن يتابع هذا الكم الكبير من الطلاب الذين يترددون على المجمع، قائلا:"لدي حوالي 250 طفلا من أطفال قرية الشعشاعي، وكلهم يأتون يومياً لحفظ كتاب الله، وعندما تواجهني صعوبة أحاول ابتكار طريقة تسد هذا الباب وتيسر على تحفيظ القرآن.
وأشار إلى أن بعض المشايخ يعاونوه لاستيعاب هذا العدد الكبير، لكنهم يتوقفون أحيانا لعدم وجود أموال تسد المجهود الذي يبذلونه أو تكفي نفقاتهم وتنقلاتهم، فيضطرون للبحث عن مصدر رزق.
وأكد الشيخ أن إمكانات القرية ضعيفة جدا، وأنه مازال في حاجة إلى 7 مشايخ لمعاونته، حتى يستطيع أن يخرج لمصر الكثير من الحفظة، فأي محفظ للقرآن يستطيع تحفيظ 5 أطفال فقط كحد أقصى، وكل من يدخل المجمع، ويرى هذا العدد الكبير يتعجب أشد العجب، لكنه في نهاية الأمر توفيق من الله سبحانه وتعالى.
وأضاف أن الطفل يحتاج إلى 3 ساعات يوميا حتى يتم حفظ كتاب الله في مدة عامين على الأقل، لافتا إلى أن المواعيد الصيفية تختلف عن الشتوية؛ بسبب المدارس، فخلال الصيف تكون مدة مكوث الطالب بالمجمع حوالي 6 ساعات يوميا.
وأشار إلى أن القرية بها حوالي 10 آلاف فرد، ولا يوجد بيت فيها إلا وفيه طفل يحفظ القرآن الكريم، وكلهم حصدوا جوائز محلية وبعضهم عالمية، وهذا بفضل الله وحده، ومواظبة أهالي القرية وحرصهم على تعلم القرآن.
وقال الشيخ عسكر أن الأهالي كانوا يرسلون أبناءهم للكتاب لكنهم لم يتوقعوا هذه النتيجة، حتى فوجئوا بأن صغارهم قد حصدوا جوائز محلية ودولية وعالمية، ومن هنا بدأت المنافسة، وأصبح الإقبال كثيفا بعد أن خرجت نماذج مشرفة كالطفلة سارة، والتي كرمها الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعد أن حصدت المركز الأول عالمياً، فالغيرة الحسنة جعلت الأمهات والآباء يأتون بأطفالهم لتحفيظهم المصحف الشريف.
وأضاف أن المشقة تمنع سكان القرى المجاورة من المجيء لقرية الشعشاعي، لذلك قرر القائمون على المجمع إرسال محفظ لهم يعمل بنفس الطريقة والأسلوب في تحفيظ أبنائهم.
وأكد الشيخ أنه سعيد جدا بطلابه، موضحا أن لكل طفل خطته الخاصة، وكم سيستغرق ليتم حفظ القرآن الكريم، لافتا إلى أن حافظي كتاب الله يأتون إلى المجمع لمراجعة 5 أجزاء يومياً، مؤكدا أن روميساء محمد، أول فرحته؛ فهي أول طالبة له تحصل على جائزة عالمية.
وقالت الطفلة روميساء 12 سنة، والحاصلة على المركز الأول عالمياً في حفظ القرآن الكريم، والتي كرمها الرئيس السيسي، الأحد الماضي، إنها ختمت القرآن وعمرها 9 سنوات، مشيرة إلى أنها بدأت الحفظ في عمر 6 سنوات.
وأكدت أنها أول فتاة في القرية تحصل على العالمية في حفظ كتاب الله، ودفعها حب القرآن لحفظه، وهي حاليا في الصف الأول الإعدادي، وتتمنى أن تصبح طبيبة، موضحة أن القرآن يساعدها على المذاكرة ولم يكن أبداً سببا في تعطيلها، ورغم أنها أكملته حفظا، إلا أنها حريصة على مراجعته، وتنوي تحفيظ الأطفال.
وقال الطفل السيد نصر، 12 عاما، والأول عالمياً لسنة 2018، إنه حفظ القرآن في 5 سنوات، وكان والده يحضره إلى المجمع لحفظ القرآن، وكان في بعض الأحيان يتمنى أن يلعب مع أصدقائه، ولكنه كان يجاهد نفسه وواصل حفظ كتاب الله، وبفضل الله أتم حفظه.
وكرم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الأحد الماضي، الطفلة سارة محمد زكريا، الحاصلة على المركز الأول عالميا، في المسابقة التي تنظمها وزارة الأوقاف لعام 2019.
للمزيد من قسم اختيار المحرر: