قصة رابعة العدوية «أم الخير» المصري اليوم -
08/27 07:48
سمي ميدان رابعه العدويه علي اسم المسجد الذي يطل عليه والمعروف بـ«مسجد رابعة العدوية» نسبه للزاهده المتصوفه «ام الخير»، رابعه العدويه التي عاشت في القرن الثاني الهجري واشتهرت بالصلاح والورع والعباده.
وهي رابعه بنت اسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي عإم 100هـ، 717م، من اب عابد فقير، وهي ابنته الرابعه وهذا يفسر سبب تسميتها «رابعه».
وذكر المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار، في كتابه «تذكره الاولياء»: «روي ابوها (والد رابعه): انه راي في المنام النبي صلي الله عليه وسلم يقول له: { لا تحزن؛ فهذه الوليده سيده جليله }، ثم جاء من بعدها الرزق الوافر، ثم ما لبث ان توفي والدها وهي طفله دون العاشره ولم تلبث الام ان لحقت به، لتجد رابعه واخواتها انفسهن بلا عائل يُعينهن علي الفقر والجوع والهزال، فذاقت رابعه مراره اليتم الكامل دون ان يترك والداها من اسباب العيش لهن سوي قارب ينقل الناس بدراهم معدوده في احد انهار البصره».
واضاف «العطار»: «بعد وفاه والديها غادرت رابعه مع اخواتها البيت بعد ان دب البصره جفاف وقحط او وباء وصل الي حد المجاعه ثم فرق الزمن بينها وبين اخواتها، وبذلك اصبحت رابعه وحيده مشرده، وادت المجاعه الي انتشار اللصوص وقُطَّاع الطرق، فخطفت رابعه من قبل احد اللصوص وباعها بسته دراهم لاحد التجار القساه من ال عتيق البصريه، واذاقها التاجر سوء العذاب».
عنيت «رابعه» منذ صغرها بحفظ القران الكريم وترتيله، وكلما حفظت سوره من السور اخذت تكررها وتعيدها في ترتيل وتجويد مع الخشوع وتدفق الدموع حتي حفظت القران في سن صغير وتدبَّرت اياته وقرات الحديث تدارسته وحافظت علي الصلاه وهي في عمرالزهور، وكان التاجر الذي اشتراها يحمَّلها ه فوق طاقتها كطفله لم تشب عن الطوق بعد، لكنها كانت تختلي بنفسها في الليل لتستريح من عناء النهار وعذابه، ولم تكن راحتها في النوم او الطعام، بل كانت في الصلاه والمناجاه.
وذات ليله استيقظ سيدها من نومه فسمع صلاتها ومناجاتها فنظر من خلال الباب -يقول فريد الدين العطار كاتب سيرتها: «فراي رابعه ساجده تصلي وتقول: الهي انت تعلم ان قلبي يتمني طاعتك، ونور عيني في خدمتك، ولو كان الامر بيدي لما انقطعت لحظه عن مناجاتك، ولكنك تركتني تحت رحمه هذا المخلوق القاسي من عبادك. وخلال دعائها وصلاتها شاهد قنديلاً فوق راسها يحلق، وهو بسلسله غير معلق، وله ضياء يملا البيت كله، فلما ابصر هذا النور العجيب فزع، وظل ساهدًا مفكرًا حتي طلع النهار، هنا دعا رابعه وقال: اي رابعه وهبتك الحريه، فان شئت بقيت ونحن جميعًا في خدمتك، وان شئت رحلت اني رغبت، فما كان منها الا ان ودعته وارتحلت».
و يقول طه عبدالباقي سرور في كتابه «رابعه العدويه والحياه الروحيه في الاسلام»: «احترفت العزف علي الناي في حلقات الذكر وساحات المتصوفه، والاناشيد في دنيا التصوف، وعزف الناي عند المتصوفه ليس نكرًا ولا بدعًا، بل هو يبعث الوجد ويحرك القلب ويحلق بسامعه، وكانت رابعه في تلك الفتره في الرابعه عشر من عمرها، لكن هذه المرحله من حياتها لم تستمر طويلاً، فقد اشتاقت نفسها للدنيا الخلاء من الناس المليئه بالله وحده، فقد تخلص قلبها من الدنيا وكل ما فيها، وخلص من الرغبات والشهوات والخوف والرجاء، لم يبق فيه الا شيء واحد الرضاء عن الله والعمل علي الوصول الي رضاء الله عنها، ورفضت كل من تقدم لزواجها، فليس في قلبها مكان لغير الله، وليس لديها وقت تشغله في غير حب الله».
وتضيف دائره المعارف الاسلاميه «المجلد التاسع- العدد 11 ص 440»: «ان رابعه اقامت اول امرها بالصحراء بعد تحررها من الاسر، ثم انتقلت الي البصره حيث جمعت حولها كثيرًا من المريدين والاصحاب الذين وفدوا عليها لحضور مجلسها، وذكرها لله والاستماع الي اقوالها، وكان من بينهم مالك بن دينار، والزاهد رباح القيسي، والمحدث سفيان الثوري، والمتصوف شفيق البلخي».
وتوضح دائره المعارف: «رابعه تختلف عن متقدمي الصوفيه الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك انها كانت صوفيه بحق، يدفعها حب قوي، كما كانت في طليعه الصوفيه الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبه سوي حب الله وحده، وكانت طليعتهم ايضًا في جعل الحب مصدرًا للالهام والكشف».
عـرفت الهـوي مذ عرفت هـواك.. واغـلـقـت قلـبـي عـمـن سـواك
وكــنت اناجيـــك يـــا من تــري.. خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك
احبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوي.. وحــبــــا لانـــك اهـــل لـــذاك
فــاما الــذي هــو حب الهــــوي.. فشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك
وامـــا الـــذي انــت اهــل لــــه.. فكـشـفـك للـحـجـب حـتـي اراك
ويشير المؤرخ ابن خلكان، في ترجمته عنها: «من تواضعها ان جاءها رجل يومًا يطلب منها الدعاء فقالت: (من انا يرحمك الله؟ اطع ربك وادعه فانه يجيب دعوه المضطر))، وكانت تبكي في سجودها حتي يبتل موضع راسها، ويقال عرض عليها الزواج من صاحب غني وجاه واسع فكتبت له: (اما بعد فان الزهد في الدنيا راحه القلب والبدن، وان الرغبه فيها تورث الهم والحزن.. فما يسرني ان الله خولني اضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفه عين والسلام)، وما اكثر زهد (رابعه) في حب الثناء والمديح من الناس مخافه مداخل الشيطان والرياء والسمعه والتصنع للخلق. وكانت تقول: (ما ظهر من اعمالي لا اعدّه شيئًا)، ومن وصاياها: (اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم)».
ولم يكن لديها غير حصير تستر به بيتها، واناء من فخار تشرب منه، وبساط من اللِّبد تجعله فراشها ومصلاها، ومشجب من قصب طوله من الارض قدر ذراعين علَّقت عليه اكفانها تتاملها باكيه متضرعه، يقول عبدالرؤوف المُناوي في كتابه «طبقات الصوفيه»: «كان كفنها لم يزل عندها، ويجدون محل سجودها كالماء المستنقع من كثره البكاء».
توفيت رابعه عن عمر يناهز الثمانين عامًا، وكان ذلك سنه 185هـ كما يري ابن خلكان في كتابه «وفيات الاعيان»، وهذا ما يؤيده المستشرق الفرنسي ماسينيون ويدعمه بحجج مقنعه، لان بعض المراجع التاريخيه يزعم انها توفيت سنه 135هـ.