تفسير الشعراوي للآية 256 من سورة البقرة
06/17 11:07
قال تعالي: {لَا اِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقَي لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.. [البقره : 256].
ان الحق سبحانه وتعالي يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشريه انه: {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين}. والاكراه هو ان تحمل الغير علي فعل لا يري هو خيراً في ان يفعله. اي لا يري الشخص المكرَه فيه خيراً حتي يفعله.
ولكن هناك اشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كان نرغم الابناء علي المذاكره، وهذا امر لصالح الابناء، وكان نجبر الاطفال المرضي علي تناول الدواء. ومثل هذه الامور ليست اكراهاً، انما هي امور نقوم بها لصالح من حولنا؛ لان احداً لا يسره ان يظل مريضاً.
ان الاكراه هو ان تحمل الغير علي فعل من الافعال لا يري فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين}. ومعني هذه الايه ان الله لم يكره خلقه وهو خالقهم علي دين، وكان من الممكن ان الله يقهر الانسان المختار، كما قهر السماوات والارض والحيوان والنبات والجماد، ولا احد يستطيع ان يعصي امره. فيقول سبحانه: {لَّوْ يَشَاءُ الله لَهَدَي الناس جَمِيعاً}.. [الرعد : 31].
لكن الحق يريد ان يعلم من ياتيه محباً مختاراً وليس مقهوراً، ان المجيء قهراً يثبت له القدره، ولا يثبت له المحبوبيه، لكن من يذهب له طواعيه وهو قادر الا يذهب فهذا دليل علي الحب، فيقول تعالي: {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين} اي انا لم اضع مبدا الاكراه، وانا لو شئت لامن من في الارض كلهم جميعاً. فهل الرسل الذين ارسلهم سبحانه يتطوعون باكراه الناس؟. لا، انّ الرسول جاء لينقل عن الله لا ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، والا لو اكرههم لما ارسل الرسل، ولذلك يقول المولي عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لامَنَ مَن فِي الارض كُلُّهُمْ جَمِيعاً اَفَاَنتَ تُكْرِهُ الناس حتي يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}.. [يونس : 99].
ان الرسول له مهمه البلاغ عن الله؛ لان الله لم يرد خلقه مكرهين علي التدين، اذن فالمبلغ عنه لا يُكره خلقه علي التدين، الا ان هنا لبساً. فهناك فرق بين القهر علي الدين، والقهر علي مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف.
تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين}، ويدعي انه مثقف، وياتيك بهذه الايه ليلجمك بها، فتقول له: لا. {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين} عقيده وايماناً، انما ان امنت واعلنت انك امنت بالله وصرت معنا مسلماً فلابد ان تعرف انك ان كسرت حكماً من احكام الاسلام نطلب منك ان تؤديه، انت حر ان تؤمن او لا تؤمن، لكن حين التزمت بالايمان، فعليك مسئوليه تنفيذ مطلوب الايمان، والا حسب تصرفك انه من تصرفات الاسلام، فاذا كنت تشرب خمراً فانك حر؛ لانك كافر مثلاً، لكن اتؤمن ثم تشرب خمراً!؟ لا.
انت بذلك تكسر حدًّا من حدود الله، وعليك العقاب.
ولانك مادمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الاسلام، فعليك ان تنفذ مطلوب الاسلام، ولذلك لم يكلف الله الانسان قبل ان ينضج عقله بالبلوغ؛ حتي لا يقال: ان الله قد اخذ احداً بالايمان والزمه به قبل ان يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتي ينضج الانسان ويكتمل، حتي اذا دخل الي دائره التكليف عرف مطلوباته، وهو حر ان يدخل الي الايمان او لا يدخل، لكن ان دخل سيُحاسب.
اذن فلا يقل احد عندما يسمع حكماً من احكام الدين: {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين}؛ لان هذه الايه نزلت بشان العقيده الاساسيه، فان اتبعت هذه العقيده صار لزاماً عليك ان توفي بمطلوباتها. وقد اراد خصوم الاسلام ان يصعدوا هذه العمليه فقالوا كذباً وافتراء: ان الاسلام انتشر بحد السيف.
ونقول لهم: لقد شاء الله ان ينشا الاسلام ضعيفاً ويُضطهد السابقون اليه كل انواع الاضطهاد، ويُعذبون، ويُخرجون من ديارهم ومن اموالهم ومن اهلهم، ولا يستطيعون عمل شيء. اذن ففتره الضعف التي مرت بالاسلام اولا فتره مقصوده.
ونقول لهم ايضا: من الذي قهر واجبر اول حامل للسيف ان يحمل السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلبون علي امرهم، لا يقدرون علي ان يحموا انفسهم، انكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون: ان الاسلام نُشِرَ بالسيف. ويتحدثون عن الجزيه رفضاً لها، فنقول: وما هي الجزيه التي ياخذها الاسلام من غير المسلمين كضريبه للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون ياخذون الجزيه من البلاد التي دخلها الفتح الاسلامي، اي ان هناك اناساً بقوا علي دينهم. ومادام هناك اناس باقون علي دينهم فهذا دليل علي ان الاسلام لم يُكره احداً.
وقول الله: {لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين} علته ان الرشد واضح والغي واضح، ومادام الامر واضحا فلا ياتي الاكراه ياتي في وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: {قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي}. ومادام الرشد بائنا من الغيّ فلا اكراه. لكن الله يعطيك الادله، وانت ايها الانسان بعقلك يمكنك ان تختار، كي تعرف انك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت علي دخولك في الدين، فلا تدخل الا وانت مؤمن واثق بان ذلك هو الحق؛ لانه سيترتب عليه ان تقبل احكام الدين عليك.
{لاَ اِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي} والرشد: هو طريق النجاه، و(الغي): هو طريق الهلاك. ويقول الحق ايضاحاً للرشد والغي في ايه اخري من ايات القران الكريم: {سَاَصْرِفُ عَنْ ايَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض بِغَيْرِ الحق وَاِن يَرَوْاْ كُلَّ ايَهٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَاِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَاِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلك بِاَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِايَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}.. [الاعراف : 146].
ان الحق يعلمنا ان المتكبرين في الارض بغير حق لن يستطيعوا الفوز برؤيه ايات الله ودلائل قدرته، وحتي ان راوا السبيل الصحيح فلن يسيروا فيه، وان شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لانهم يكذبون بايات الرحمن ويغفلون عنها. والغي ايضا هو ضلال الطريق، فعندما يسير انسان في الصحراء ويضل الطريق يقال عنه: (فلان قد غوي) اي فقد الاتجاه الصحيح في السير، وقد يتعرض لمخاطر جمه كلقاء الوحوش وغير ذلك. ويوضح لنا الحق طريق الرشد بمنطوق اخر في قوله الحق: {وَاَنَّا لاَ ندري اَشَرٌّ اُرِيدَ بِمَن فِي الارض اَمْ اَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}.. [الجن : 10].
ان الجن قد ظنوا كما ظن بعض من معشر الانس ان الله لن يبعث احداً بعد الموت او لن يرسل رسولاً من البشر لهدايه الكون. وقد طلب الجن بلوغ السماء فوجدوها قد مُلئت حرساً من الملائكه وشُهباً محرقه. وان الجن لا يعلمون السر في حراسه السماء وهل في ذلك شَرٌّ بالبشر او اراد الله بهم خيراً وهدي. اذن فالرُّشْد بضم الراء وتسكين الشين والرَشَد بفتح الراء وفتح الشين كلاهما يوضح الطريق الموصل للنجاه. ويقابل الرشد الغيّ.
ويتابع الحق: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى} اولا: نلحظ ان الحق هنا قد قدم الكفران بالطاغوت، ثم جاء بالايمان بالله؛ لان الامر يتطلب التخليه اولا والتحليه ثانيا، لابد ان يتخلي الانسان من الطاغوت فلا يدخل علي انه يؤمن بالله وفي قلبه الطاغوت، فنحن قبل ان نكوي الثوب نغسله وننظفه، والتخليه قبل التحليه.
وما هو (الطاغوت)؟ انه من ماده (طغي)، وكلمه (طاغوت) مبالغه في الطغيان. لم يقل: طاغ، بل طاغوت، مثل جبروت، والطاغوت اما ان يطلق علي الشيطان، واما ان يُطلق علي من يعطون انفسهم حق التشريع فيكَفِّرون وينسبون من يشاءون الي الايمان حسب اهوائهم، ويعطون اشياء بسلطه زمنيه من عندهم، ويُطلق ايضاً علي السحره والدجالين، ويُطلق علي كل من طغي وتجاوز الحد في اي شيء، فكلمه (طاغوت) مبالغه، وقد تكون هذه المبالغه متعدده الالوان، فمره يكون الطاغي شيطانا، ومره يكون الطاغي كاهناً، ومره يكون ساحراً او دجالاً، ومره يكون حاكماً.
وماده (الطاغوت) تدل علي ان الموصوف بها هو من تزيده الطاعه له طغياناً، فعندما يجربك في حاجه صغيره، فتطيعه فيها فيزداد بتلك الطاعه طغيانا عليك. والحق سبحانه يقول: {فاستخف قَوْمَهُ فَاَطَاعُوهُ اِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}.. [الزخرف : 54].
ويزيد في الامر حتي يصير طاغيه، ولا يوجد احد استهل عمله بالطغيان العالي، انما يبدا الامر خطوه خطوه، كاي نظام ديكتاتوري قهري، انه يبدا ب (جس نبض) فان صبر الناس، ازداد هذا النظام في القسوه حتي يصير طاغوتا، اذن فالطاغوت هو الذي تستزيده الطاعه طغيانا، وتُطلق علي الشيطان؛ لانه هو الاساس، وعلي الذين يتكلمون باسم الدين للسلطه الزمنيه (سواء كانوا كهاناً او غيرهم)، وتُطلق علي الذين يسحرون ويدجلون، لانهم طغوا بما علموه؛ انهم يستعملون اشياء يتعبون بها الناس، وقد جاءت الكلمه هنا بصيغه المبالغه لاشتمالها علي كل هذه المعاني، واذا استعرضنا الكلمه في القران نجد ان (الطاغوت) ترد مذكره في بعض الاحيان، وقد وردت مؤنثه في ايه واحده في القران: {والذين اجتنبوا الطاغوت اَن يَعْبُدُوهَا وانابوا اِلَي الله لَهُمُ البشري فَبَشِّرْ عِبَادِ}.. [الزمر : 17].
لقد اوضحت هذه الايه انهم تركوا كل انواع الطغيان واصنافه، اي ان الذين اجتنبوا الالوان المتعدده من الطغيان هم الذين يتجهون بالعباده الخالصه لله، ولهم البشري. {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروه الوثقي} وكلمه {استمسك} غير كلمه (مسك). لان {استمسك} تدل علي ان فيه مجاهده في المسك، والذي يتدين يحتاج الي مجاهده في التدين؛ لان الشيطان لن يتركه، فلا يكفي ان تمسك، بل عليك ان تستمسك، كلما وسوس الشيطان لك بامر فعليك ان تستمسك بالتدين، هذا يدل علي ان هناك مجاهده واخذاً وردّاً.