عيون معمارية زرقاء تغازل ملتقى النيلين في عاصمة السودان
01/28 01:42
تغزل مهندس العماره ومخطط المدن الفرنسي ميشال كانتال دوبار في جمال موقع حاضره السودان «الخرطوم»، ووصفها بـ«المدينه المحظوظه» لانها تقع عند ملتقي نهرين عند «المقرن»، اذ يلتقي عندها النيلان الابيض والازرق ليكونا «نهر النيل» الاسطوري المقدس، بيد ان المعماري الفرنسي راي ان مكان القصر الرئاسي يحجب النهر، ويتجاهل حاجه الناس للاقتراب والاستمتاع به.
يقول كانتال الذي اتي في زياره الي المدينه استغرقت زهاء اسبوع، انه التقي في زيارته مختصين في الهندسه والمعمار والتخطيط الحضري، وقدم محاضرتين في جامعه الخرطوم وجامعة المستقبل، واثار حوارا بناء مع طلاب الجامعتين واساتذتها ومع مهندسين ومختصين مهمومين بمدينتهم.
ويضيف كانتال: «كنت اعلم فقط ان الخرطوم مدينه كبيره، ثاني او ثالث مدينه في افريقيا من حيث المساحه». ويوضح: «لكني فوجئت بجمال موقعها وفرادتها واحاطه الانهر بها كما السوار، وسباني موقعها في قلب البلاد بما يؤهلها للاحاطه بكل شيء».
ويمضي كانتال في شرح سر اعجابه بالخرطوم بالقول: «المدن التي تلتقي عندها الانهار عاده تكون ملتقي تجمعات بشريه وثقافيه، مما يجعل المكان متفردا، وهذا بالضبط ما عنته المدينه بالنسبه لي».
ويعمل المهندس ميشال كانتال دوبار مخططا عمرانيا، ومديرا لتخطيط المدن متعدده التخصصات في باريس، ومحاضرا في المعهد الوطني الفرنسي للفنون والحرف، وحاز كرسي «التخطيط العمراني والبيئه»، فضلا عن عمله مستشارا في وكاله الاراضي والتقانه لتنفيذ مشروع «باريس الكبري»، مما يجعل من زيارته للخرطوم التي يطلق عليها اهلها «كرش الفيل» من شده اكتظاظها وعشوائيتها.
وتعاني «كرش الفيل» مثلها مثل المدن الفقيره، الاكتظاظ وسوء التخطيط، وتاتي زياره المعماري الفرنسي الشهير لبحث افاق جعلها اكثر جمالا، فالتقي رصفاءه من المهندسين والمعماريين، ورافقوه في جولات حول الخرطوم لسته ايام، طاف خلالها مدن المدينه واحياءها المختلفه.
ويطلق سكان الخرطوم واهل السودان علي مدينتهم «العاصمه المثلثه»، لان النهرين والنيل يقسمانها الي 3 مدن «الخرطوم، الخرطوم بحري، ام درمان».
لكل من هذه المدن الثلاث ميزاتها وفرادتها، كانها تكمل الاخري وتسد نقصها، فالخرطوم هي العاصمه الرسميه والتجاريه والعمليه، اما ام درمان فهي العاصمه الوطنيه التي تجمع ثقافات الوطن في مكانها، اما الخرطوم بحري فكانها ضيعه من الهدوء بمواجهه صخب المدينتين وضجيجهما.
اول ما لفت نظر المعماري الفرنسي هو علاقه الناس بشاطئ النهر، يقول: «اكثر ما اثار اهتمامي في المدينه تنوع شواطئها وعلاقه الانسان بالشواطئ التي تختلف من ضفه لاخري ومن منطقه لاخري، وما ان كانت علي النيل الأزرق او الابيض او حول جزيره توتي».
ورغم انه قال ان المدينه سبته، فان كانتال حذر من انفجارها الوشيك، قال: «الخرطوم مدينه كبيره وجميله، لكنها مهدده بالانفجار لانها تواجه مشكله وشيكه في حركه السير». واضاف: «نظام المواصلات رائع لكنه يفتقر للتنظيم، تختلط فيه الحافلات والركشات والعربات التي تجرها الدواب (كارو)، ما يخلق ربكه عظيمه، هذه مدينه ينقصها مركز يتجمع فيه الناس ليختار فيه الكل وجهته الاخيره».
وتعاني الخرطوم حسب المعماري الفرنسي ضعف قدراتها في ابراز جمالها والزهو به، يقول: «فيها مبان قديمه وحديثه، لكن جماليتها لا تبرز بشكل كاف».
ويوضح المعماري الفرنسي ان «جزيره توتي»، وتوتي جزيره تقع في منتصف النيل وقرب ملتقي النيلين، وفي قلب الخرطوم في موقع فريد يقل مثيله في العالم، عمرانها المبني من «الطوب الاحمر» لا مثيل له، لكن الناس لا يرون جمالها لانهم سكانها، ويضيف: «انا مثلا قد لا اري جمال مدينتي كما يراه الاخرون».
ولا يري كانتال في اكتظاظ الخرطوم مشكله، يقول: «المدن عاده تستقطب الهجرات، وهذا ليس مقصورا علي الخرطوم وحدها، ولا اعرف مدينه تركها الناس وذهبوا الي امكنه اخري».
ويضيف: «كان الباريسيون يحملون الخوف ذاته حين بدات الهجرات من برايتون، لكن هذا ما صنع باريس».
ونوه الرجل باختلال علاقه سكان الخرطوم بالنهر، بالقول: «ان الناس هنا لا يستمتعون بالنهر بما يكفي، كما ان المباني تسده عن غالبهم». ويضيف: «اهل الخرطوم لا يحبون سكني القصور، لانهم يرغبون في التواصل».
ولا يعتبر كانتال الهجره الي المدينه مشكله، لان المدينه تستطيع تشكيل الناس بما يتناسب مع تقاليدها، ويقول: «المدينه ماخوذه من (بوليس) وتعني المهذب، فالمدن قادره علي تهذيب ساكنيها وقولبتهم بما يتناسب معها، ففي القري الصغيره مثلا يتبادل الناس التحيات، لكنهم حين ياتون المدينه لا يرد اهل المدن تحياتهم فيكفون عن تحيه الناس، هذا ما تفعله المدينه». وحذر المخطط الحضري الفرنسي من مخاطر تشييد «ابراج الكهرباء» في المناطق السكنيه، وقال انه غير طبيعي، وان السلطات ستضطر في المستقبل القريب لازالتها بكلفه عاليه وانشاء بدائل لها بكلفه اضافيه. ويعتقد كانتال، وهذه اطروحته، ان علاقه الانسان بالنهر ليست علي ما يرام، فاعداد الناس الذين يستمتعون بشاطئيه قليله مقارنه بمن يرونه من نوافذ السيارات، ويرجع سوء العلاقه بالنهر الي تخطيط المدينه الاصلي، يقول: «بني اللورد كتشنر المدينه، وشيد شارع فكتوريا (النيل) بمحاذاه النيل، لكنه شيد قصره (الان القصر الجمهوري) حاجزا بين الناس والنهر». واضاف: «ليس في نيتي القول ان القصر الرئاسي موضوع في مكان غير ملائم لانه يطل علي النهر، لكنه يحول بين سكان المدينه والنهر».
ويدعو المعماري الفرنسي الي انشاء ممرات للمشاه علي الجسور وطرق المرور السريع تساعد الناس علي تحسين علاقتهم بالنهر، والسلطات الي التذكر ان للسكان حقا في الترويح والاستمتاع بالنيل.