محمد خير الدين سليل سلالة منسية
07/10 00:49
في ما مضي قال الروائي ادمون عمران المالح: «صعب جدا الحديث عن تجربه محمد خير الدين الابداعيه». هذه الصعوبه استشعرتها بنفسي وانا اتلمس طريقا وعره الي الادغال حيث يعيش هذا (الطائر الازرق). فحين يقرا احدنا لمحمد خير الدين او يقرا عنه سيحس بالنخوه والوجع، بالزهو والخوف، بالاشراق والخيبه، وبالنار التي تسري في الكلمات والصقيع الذي تخرج اليه، سيحس بعظمه هذا الكاتب وحقاره ما يحيط به.
كان محمد خير الدين كاتبا اثيرا لدي الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران، وصديقا للفيلسوف جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار. يعرف المتتبعون ان سارتر، حين عاد وقبل جائزة نوبل، خصص قسطا منها ليُصرف علي خير الدين. كفر سارتر باشياء كثيره لكنه امن بمحمد خير الدين، فتبناه وفتح له ابواب دور النشر الفرنسيه وفي مقدمتها «لو سوي» حيث نشر معظم اعماله.
يضيف الروائي عمران المالح: «قيل زمن صدور روايه خير الدين الاولي (اكادير) عام 1967 انها لا تنبئ فقط بميلاد روائي مبدع باللغه الفرنسيه، وانما بميلاد شاعر كبير بانفاس شعريه واسطوريه كبيره». تضعنا هذه الكلمه، بالضروره، امام مفارقه ادبيه، فمن الغريب ان يُتنبا لكاتب يصدر روايته الاولي بانه سيكون شاعرا كبيرا. جريده le matin السويسريه تنبات ايضا بان اعمال هذا الكاتب ستقرا بنهم كبير واهتمام بالغ جدا من القراء في القرن الحادي والعشرين.
كان صموئيل بيكيت، حامل نوبل الاداب والعابث الاكبر في العالم، معجبا بكتابات خير الدين، الذي يقول عنه الروائي الطاهر بن جلون: «انه نباش ممتاز في الهويه الامازيغيه». حين اصدر خير الدين مجله (انفاس) برفقه عبد اللطيف اللعبي واخرين قال اندريه بروتون لجان بول ميشال: «من هنا ستبدا الثوره».
عدد هائل من الكتاب الكبار احاطوا خير الدين بالمحبه والاعجاب وتقاسموا معه شرف الصداقه والكتابه، بينهم ليوبولد سيدار سنغور وجاك لاكان واندريه مالرو وميشال ليريس وايف بونفوا وبيار برنار ومحمد شكري وجاك بيرك وكزافييه كزال وبيار بيارن، الذي سيكون خير الدين سببا في شهرته، فهو الذي اخذ منه قصيده واستنسخ منها 6000 نسخه وتم توزيعها مع عدد من المنشورات لتصبح شعارا لتلك المرحله.
في نصه الشعري (حيوان تالف) يقول محمد خير الدين: «انا سليل سلاله منسيه، لكنني احمل نارهم». ربما يقصد هنا سلاله الكتاب الذين يملكون عين كاسر وقلب فراشه، وربما يقصد سلاله الامازيغيين الذين كانوا في ما مضي اهل هذه الارض وصاروا اليوم يصرخون في الليل والنهار من اجل ان تقرا لغتهم ولا يطوي تاريخهم.
ولد محمد خير الدين عام 1941 في قريه ازرون وادي، بضواحي مدينه تافراوت جنوب المغرب، وسط العظمه الامازيغيه، حيث التاريخ الممتد الي اعماق مملكه نوميديا، وحيث الادب الرائع الذي يسري علي السنه الناس الي ايامنا هذه. قد لا تجد هذا الادب برمته في خزانه او كتاب، لكنك تستلذه وهو يتدفق كشلال جارف من افواه الراقصين في ليالي احواش، ومن شفاه الصبايا في المراعي او خلف مناسج الجدات. تلقي تعليما مزدوجا والتهم منذ صباه كتب رامبو وبودلير. عهده الاول بالشتات والضياع سيبدا منذ طلاق امه من ابيه قبل ان يصل هو الي سن الرشد. احب ان يكون مغنيا لكن صوته خانه، عشق اغاني عبد الوهاب واسمهان وعشق اشعار امرئ القيس. حين كان في الثالثه والعشرين من عمره نشر قصيده في لندن عنوانها (غثيان اسود)، وحاول الانتحار بعدها لكن الموت رفضه. اشتغل بالضمان الاجتماعي من عام 1961 الي 1963 في اكادير ثم في الدار البيضاء. اصدر في بدايه الستينيات مجله (انفاس) التي تبلورت فيها اقوي حركه ادبيه عرفها المغرب الحديث، وقبل عامين من اصدار المجله كان اطلق بيانا سمّاه (الشعر كله)، ينشد من خلاله حركه تغييريه جذريه في مختلف المجالات وخصوصا الادب.
سافر الي فرنسا عام 1965 لانه ادرك ان (الطائر الازرق) لا يتنفس كما يشاء في فضاء ضيق ولا يحلق عاليا في السموات الخفيضه، فاضاءت باريس طريقه بانوارها، ونشر له سارتر قصيده (الملك) في افتتاحيه مجلته الشهيره (الازمنه الحديثه). لم يكن له مكان يقيم فيه لانه اصلا لم تكن له حياه مستقره. تزوج من فرنسيه تدعي اني ثم طلّقها، ودخل بقوه هائله الي غرفه الكتابه حين خرج من غرفه الزواج. فبعد روايته «اكادير» الّف كتبا عديده وكان يصدر تقريبا كتابا في السنه: «اجسام سالبه»، «شمس عنكبوتيه»، «انا المر»، «النباش»، «هذا المغرب»، «ميموريال»، «قصه اله طيب»، «حياه وحلم شعب في تيه»، «انبعاث الزهور الوحشيه»، «اسطوره اكونشيش وحياته»، «كازاس»، «طوبياس»...
كان يكتب عاده حيث الفوضي والضجيج. مره وجده شرطي بين المشبوهين من لصوص وتجار دعاره ومخدرات في مطعم تيرمينوس في ساحه الجمهوريه فساله: «كيف تكتب وسط هذا الجحيم؟»، فاجابه: «حين اكتب يختفي العالم من حولي، ولا يعود بامكاني ان انتبه لشيء سوي للشخصيات التي اصنعها».
كانت افكار محمد خير الدين واراؤه جريئه، واضحه وصادمه، وكان وعيه، كما مزاجه، حادا، ولم يكن كاتبا مدجنا ومهادنا، اتسمت اراؤه بالعمق وبتلك السخريه اللاذعه، لذلك حين عاد الي المغرب في سنواته الاخيره اصيب بصدمه الانتقال من عالم تسود فيه الي حد كبير قيم العداله والحريه وتقدير الفرد والاخلاص في اداء الواجب الي عالم نقيض حيث الفساد الاداري والغش وتردي الخدمات وتخلف الافكار والمشاعر وقتل الاشياء الجميله بالصمت عنها.
حين عاد الي المغرب ظلت اقدامه تدب هنا فيما انفاسه تسري هناك. واصل حياته بالطريقه نفسها، حياه كاتب يؤمن ايمانا كبيرا بمقوله فرانز كافكا: «كل ما ليس ادبا يقلق راحتي واشعر تجاهه بالكراهيه». قال محمد شكري عنه في تلك الفتره: «لم يكن محمد خير الدين يتوفر علي سكن الا نادرا، كان يبدل ثيابه في منزل احد اصدقائه ويترك الوسخه منها حيث يخلعها... لم يكن يتقيد بالمواعيد، ينام في فندق او اينما تيسر له ان ينام، انه الطائر الازرق، السماء كلها له، احيانا كان ياتي ولا شيء في جيبه، كنت استقبله، ولكنني لم اكن استطيع ان اقيمه معي في المنزل، انه الارق بعينه، اذ هو كثير الحركه ليل نهار، لا يمكن معرفه متي ينام ومتي يستيقظ، لم يكن يعني بصحته، نادرا ما رايته ياكل بشهيه». وحين سئل محمد شكري عما اذا كان قد تبادل رسائل مع خير الدين نفي ذلك: «لم يكتب لي ايه رساله، لم اكن اعرف متي يقرا ومتي يكتب رغم اننا عشنا معا في اواسط الثمانينيات تحت سقف واحد حوالي سته اشهر في ضيافه احمد السنوسي (فنان ساخر لا يزال يعيش الحصار الي اليوم)، كنت اراه فقط يوقع كتبه، ان مزاج محمد خير الدين لم يكن يسعفه للمراسله الا مع ناشره في باريس او مع الرئيس السنغالي الاسبق ليوبولد سيدار سنغور او مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك». الا ان خير الدين تبادل الرسائل مع عدد من الاصدقاء او محتالي الصداقه، تلك الرسائل التي سيقول عنها جلال الحكماوي: «لو نشرت يوما ستزلزل الارض تحت اقدام الكــثير من النصــابين الذيــن كانــوا يدعون صداقته ويسيئون اليه اشد الاساءه».